السيتي

بورتري:كَشَّاف مُسِنّ من تنغير في وضعية صعبة،يطلب مقابلة الملك

لاشك أن البحث عن لقمة العيش و أحيانا اللهث وراء ملذات الدنيا،يجعل الإنسان لا يلتفت الى مشاهد إنسانية عميقة تتجاوز تمثلاتها الجانب المادي أو المركز الإجتماعي.في حين أن الإنسان عندما يولد في هذه الحياة لا يعلم مسبقا كيف سيكون حاله فيها،هل سعيدا أم شقيا،وهل غنيا أم فقيرا،وهل فاعلا أم عالة على المجتمع.

صحيح أن الإنسان لا يختار مصيره بنفسه في كثير من الأحيان رغم قيامه بكل ما هو منوط به سواء على المستوى الدراسي أو الدراية بصنعة من الصنعات،أو موهبة تجعله يفتخر بنفسه و تفتخر به أسرته.

ذات يوم من أيام  مدينة جرسيف،وبينما كان فريق العمل يتناول الفطور بإحدى المقاهي إستعدادا لمهمة صحفية،وقف رجل مسن على طاولتنا ومؤديا تحية عسكرية أثارت إنتباهنا،ويتأبط سجلات غليظة تحتوي على أوراق وصور تخلد لمسيرته ككشاف.

Untitled - 1123

قابلناه بابتسامة وطلبنا منه الجلوس بعد أن سألناه عن طبيعة مشروبه المقترح.رفض بداية،لكنه إنصاع للأمر بعد إلحاحنا،وطلب إحتساء فنجان قهوة،وكأنه يخبرنا بعزة نفس بأنه محتاج لثمنه لتأمين غذائه اليومي.

يحكي عبد الرحيم المعزوزي أنه تابع للكشفية الحسنية و يزاول هذه المهنة لأزيد من سبعة وعشرين سنة،وأنه بقي متشبتا بهذه الهواية التي تخلى عنها معظم رفاقه،حبا للوطن و للملك.وأنه جال المغرب شمالا وجنوبا شرقا و غربا،يتردد على مختلف الإدارات و المؤسسات لتسجيل مروره بتلك المدن.العملية التي يتعرض فيها للمضايقات في كثير من الأحيان،ويتعرض للضرب من طرف المستهزئين من مهنته.ويحلم بتحقق أمنية واحدة وهي مقابلة جلالة الملك والأخذ بيده.

وفي سؤال عن حالته الإجتماعية،أخبرنا عبد الرحيم،أنه متزوج وأب لثلاثة أبناء،وأنه لم ير أسرته لمدة عامين،ويحن للقاء أولاده لكنه يفضل الغياب على أن يعاتبوه على  بِزَته الكشافية و مهنته المخجلة في نظرهم أمام المجتمع مما جعله في خصام مع الزوجة،الأمر الذي حاول التغاضي عنه إلا أننا إكتشفنا ذلك من خلال مكالمة أجراها من هاتف أحد الزملاء مع إبنه الذي أطلعنا على صورته ،ويبدو شابا وسيما و متمدنا ويشتغل بالدار البيضاء.

كانت نبرة صوت الأب توحي بأن المتكلم من الطرف الآخر يعاتبه نفس العتاب،ويحثه على الرجوع الى البلدة والتخلي عن أحلامه المستحيلة.لكن الأب كان يحاول جاهدا أن يطمئن إبنه بأنه ناجح في مهمته و سيحضى بالشهرة قريبا.في نفس السياق تغلب دموع الأب على حديثه عندما تطرق الإبن لأمه وأجهش بالبكاء وفي قلبه غصة لم تدعه أنفته الإفصاح عنها.وتبين من خلالها أن علاقته بزوجته متدهورة للغاية.

ودعنا السي عبد الرحيم،بعد أن طلب منا ثمنا لوجبة الغذاء باستحياء شديد،وهو يوصينا بالحديث الى إبنه وطمأنته عنه،وإخباره بأننا صحافة،في محاولة منه لصنع مجد معنوي له أمام أسرته الصغيرة.

كان مرتادو المقهى يصغون باهتمام و تعاطف مع حديث الكشاف،في جو إنمحت فيه المظاهر الإجتماعية و الفوارق الطبقية وبقيت قيم الإنسانية التي يجب أن تسود في المجتمع وتتضامن الفئات في ما بينها لإحتواء الضعفاء و الفقراء و الحالمين.

يقول العالم المصري أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء على أن الغرب يساعدون الفاشل حتى ينجح، والعرب يحاربون الناجح حتى يفشل.

تلك قصة من بين آلاف القصص التي لم ترو وتستحق أن نأخذ منها العبر و المغازي العميقة.دامت لكم الراحة النفسية و الإجتماعية قراءنا الأوفياء.

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى