السيتي

بين الإستقلال و الإتحاد الإشتراكي

خطو الاتحاد الاشتراكي والاستقلال تدريجيا، في اتجاه بناء تنسيق سياسي أكبر، يشمل القواعد والأطر والقيادة. المبادرة في حد ذاتها محمودة ومطلوبة بالنسبة لتاريخ الحزبين ومسارهما، فقد ثبت أن خلافاتهما انعكست سلبا على مجمل الأوضاع السياسية في البلاد وتركت ندوبا عميقة، استفاد منها مناهضو التحول الديمقراطي.
في خلفيات غير بعيدة، أن التنسيق بين الحزبين كان من أبرز العوامل التي ساعدت في التحضير لخطة التناوب الوفاقي، فقد بدأت المساعي على صعيد العمل النقابي بين المركزيتين الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين، وجذبت الزعامات الحزبية، بعد أن أصبحت قوة ضاغطة لا يمكن تجاهل تأثيرها في تحريك الشارع.
ومن نتائج ذلك التنسيق أن الوزارة الأولى دنت إلى زعامة الحزبين بالتتابع، عبد الرحمن اليوسفي ثم عباس الفاسي، بعد بياض احتله التقنوقراطيون.
غير أن اتحاد أمس، كما استقلال أمس، لا يتوفران على نفس المعطيات، أقلها أن الاتحاد الاشتراكي يعاني من تصدع في صفوفه لا يمكن إخفاؤه. فيما الاستقلال بدوره لم يتمكن من رأب الصدع بين تيارات متصارعة، وإن خارج المدار الحزبي، ولعل أول ما يتطلبه الموقف هو معاودة ترميم البناء الحزبي على أسس أكثر قابلية للحوار والتعايش وسط الحزبين، لأن ذلك يشكل مصدر قوة، ليس للحزبين فقط، بل للمشهد السياسي برمته، فالديمقراطية قبل أن تكون منافسات انتخابية وأحكاما تصدرها صناديق الاقتراع، هي اختيار داخلي محض، ولا تكون الديمقراطية مصانة وحصينة إلا في ظل وجود أحزاب ديمقراطية متشبعة بهذه الأوفاق.
في التطورات الحزبية أن رياح التغيير هبت كذلك على القلاع السياسية، ولا يمكن إلا إبداء الارتياح حيال فكرة تجديد النخب والقيادات، لكن في سياق يحفظ وحدة الكيانات الحزبية، وكما أن الأصل في التناوب أن يحمل نخبا جديدة إلى مربع تحمل المسؤولية، فإن تناوبا من نوع آخر يحتم تجديد القيادات والأفكار وأساليب العمل، لكن المؤتمرات الحزبية تظل سيدة نفسها، وهذه مسألة نسبية تختلف باختلاف الزوايا التي ينظر منها المرء إلى المشهد الحزبي بنظارات إما متفائلة أو متشائمة.
أي مقاربة للتغيير ترهن الأعمال والمساعي بالنتائج، وبالقدر الذي يبدو فيه رهان تقوية حضور الأحزاب مطلوبا لدرء أي فراغ، يتسلل منه المتربصون الذين يبخسون العمل السياسي في جوهره وأهدافه النبيلة، بالقدر الذي تحتل هذه المهمة صدارة الانشغال، وليس مثل الأحزاب ذات الرصيد التاريخي والنضالي أكثر قدرة على تمثل رهانات المرحلة من منطلقات تكون مغايرة لتلك التي أدت إلى الانتكاس.
نجح الاتحاد الاشتراكي في جذب الحليف الاستقلالي إلى واجهة المعارضة، ونجح الاستقلال في التأقلم مع سمات وضعه الجديد. غير أن أيا منهما لم يفلح في ردم الهوة بين التيارات المتصارعة داخل كل منهما، ذلك أن إفراغ الساحة الحزبية من «المناوئين» ليس حلا. تماما كما أن بقاء «المناوئين» خارج دائرة التأثير الحزبي المباشر يضعف الأطراف كافة. ولم نسمع إلى الآن عن مبادرات وفاقية في هذا الاتجاه. لأن الخلافات التي رافقت محطات المؤتمرات ليست قدرا، فقد تكون تعبيرا عن تململ أو قناعات، وفي الإمكان بقليل من الحكمة والتدبير معاودة المياه إلى مجاريها.
ليس الأمر الواقع الذي نجم عن تضارب الاتجاهات المتصارعة داخل الحزبين مفروضا، فقد أملته ظروف قابلة للتغيير، بخاصة وأنها لا تعكس تباين مشروعات وإنما خلافات في التدبير الحزبي. وطالما أن الاتحاد الاشتراكي والاستقلال اقتنعا بأهمية وجدوى التنسيق بينهما، والذي قد يتطور إلى مستويات أكبر، فما الحائل دون أن تنسحب القناعة على تنسيق داخلي آخر يطال التيارات المبعدة.
الذين عاصروا وتابعوا المعارك التي احتدمت بين الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، وقبله الاتحاد الوطني، يعرفون أن الحزبين لم يتركا سلاحا إلا واستخرجاه لإنهاك بعضهما، خصوصا حين كانت مواقعهما تتأرجح بين الحكومة والمعارضة، ومع ذلك فقد استخدما سياسة النسيان التي تكفل للزمن أنيفعل ما يعجز عنه مهندسو السياسات والسيناريوهات، لذلك تصبح مسألة ترميم البناء الداخلي في الحزبين معا أسبقية الأسبقيات.
إنهما يدركان أن التفرقة تصبح نهجا لإضعاف الخصم، ومن ثمة فالمبادرة ينبغي أن تأتي من الطرف الذي يأنس في نفسه أحقية الاختيار. وقد تكون مناسبة الإعداد للاستحقاقات الانتخابية فرصة مواتية نحو الخطوة الأولى التي يمكن أن تصدر عن هذا الطرف أو ذاك. فهناك دائما حكام أقل تأثرا واندفاعا يمكنهم أن يبادروا، وإن لم يفلحوا في مساعيهم. فالإخفاق أيضا يعلم الإصرار والتحدي.

*نشر بفلاش بريس الإلكترونية

اظهر المزيد

جرسيف سيتي

موقع إخباري مستقل، يهتم بالشأن المحلي والوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى